07 - 06 - 2026

نقد أدبي | الحلم بوصفه سرداً بديلاً للحياة

نقد أدبي | الحلم بوصفه سرداً بديلاً للحياة

تبدو مجموعة "أضغاث أنفاس" للكاتبة العراقية الدكتورة أمل الأسدي عملاً قصصياً يختلف عن كثير من المجموعات التقليدية التي تعتمد الحدث والشخصية والحبكة بمعناها المألوف. فمنذ العنوان يواجه القارئ عالماً يقوم على التداخل بين الحلم والواقع، وبين الوعي واللاوعي. فـالأضغاث تحيل إلى الأحلام المتشابكة والرموز الغامضة، بينما تشير الأنفاس إلى تلك المنطقة التي تتشكل فيها الرغبات والهواجس والمخاوف والذكريات.

لهذا يمكن قراءة المجموعة باعتبارها مشروعاً سردياً يقوم على استثمار الحلم باعتباره تقنية فنية ورؤية للعالم في ذات الوقت. فالنصوص لا تسرد أحداثاً واقعية بقدر ما تكشف طبقات النفس الإنسانية وهي تواجه الحب والخسارة والغياب والرغبة والخذلان والموت.

فضاءات حلمية

وأبرز ما يميز المجموعة أن الحلم هو الهيكل الذي تنتظم داخله أغلب النصوص. فالشخصيات تدخل إلى فضاءات حلمية تتعطل فيها قوانين المنطق والزمن والمكان، وتصبح الصور الرمزية أكثر حضوراً من الوقائع المباشرة، في نص "غواية" مثلاً تصعد الشخصية سلماً غريباً، لكنها تفقد إصبعاً عند كل درجة حتى تصل إلى القمة فاقدة اللسان ذاته.

لا يمكن قراءة هذا المشهد إلا باعتباره استعارة كبرى عن المعرفة أو الطموح أو الرغبة في الوصول إلى مرتبة أعلى مهما كان الثمن. فالصعود هنا لا يتحقق إلا عبر سلسلة من الخسارات المتتالية.

وفي نص آخر تتحول زيارة عادية إلى تجربة زمنية غرائبية؛ يدخل البطل ليلقي التحية على امرأة يحبها دقائق معدودة، لكنه يكتشف أن ثلاث ساعات كاملة قد مرت دون أن يشعر، وهكذا يتحول الحلم إلى وسيلة لإعادة تشكيل الزمن وفق منطق العاطفة.

حالات شعورية

تبتعد نصوص المجموعة عن الاهتمام بالمجتمع الخارجي لمصلحة العالم الداخلي للشخصيات. فلا نجد أوصافاً تفصيلية للمدن أو البيئات أو الصراعات الاجتماعية، بل نجد أنفسنا داخل دوامة من المشاعر والانفعالات، أما الشخصيات فغالباً ما تكون وحيدة، منشغلة بذاتها، محاصرة بأسئلتها الخاصة. إنها شخصيات تعيش داخل الذاكرة أكثر مما تعيش داخل الواقع، مثلا في نص "وجهة أخرى" نتابع امرأة تحاول اتخاذ قرار الرحيل بعد سلسلة من الخيبات، فتبدو عملية اتخاذ القرار نفسها أشبه بالمخاض المؤلم.

والحدث في هذا النص محدود للغاية، لكن التركيز ينصب على ما يجري داخل النفس من صراع وتردد وانكسار، وهذا ما يجعل المجموعة أقرب إلى الحالات الشعورية منها إلى الحكاية التقليدية.

الحب والموت

إذا كان الحلم هو البنية الفنية الأساسية للمجموعة، فإن الحب يمثل ثيمتها الأكثر حضوراً، ويقترن الحب عند أمل الأسدي بالغياب أو الخذلان أو الفقد، ففي "موعد" تنتظر المرأة لقاءً طالما حلمت به، تتزين وتستعد وتغمرها اللهفة، لكن الموعد يمر دون أن يأتي الحبيب.

وفي نصوص أخرى يصبح الحبيب رمزاً بعيداً يتعذر الإمساك به، أو يتحول إلى ذكرى تواصل تشكيل الوعي حتى بعد الغياب، إن الحب في المجموعة  يمثل حالة وجودية تستمر آثارها في النفس حتى بعد انقضاء العلاقة نفسها، ولهذا فإن معظم الشخصيات تبدو معلقة بين الرغبة والحرمان، بين الأمل والانكسار.

أيضا تقدم المجموعة من خلال الكشف عن التجربة الداخلية للمرأة صوتاً أنثوياً واضحاً، فالمرأة في هذه النصوص هي ذات تتألم وتفكر وتقرر وتحلم وتتمرد، في أكثر من نص نجد امرأة تواجه الخذلان العاطفي، لكنها لا تستسلم له تماماً، بل تحاول إعادة تعريف علاقتها بنفسها وبالعالم. كذلك تمنحها النصوص  مساحة للتأمل والاختيار واتخاذ القرار، حتى حين تكون تلك القرارات مؤلمة، وتبرز هذه النزعة خصوصاً في النصوص التي تتناول الانفصال أو إعادة ترتيب الحياة بعد تجربة حب فاشلة.

وإلى جانب الحب، يشغل الموت مساحة ملحوظة في المجموعة، وذلك بوصفه تجربة شعورية تتصل بالفقد والانقطاع والغياب، ففي "ضباب أخضر" يتحول الحزن على الراحل إلى رحلة حلمية تتداخل فيها الرؤى والتأملات والأسئلة الوجودية، وتميل الكاتبة إلى تصوير الموت بوصفه قوة غامضة تترك آثارها في الأحياء أكثر مما تصف أثرها في الموتى، ومن هنا يبدو الموت امتداداً لثيمة الخسارة التي تسري في معظم نصوص المجموعة.

الرمزية وكثافة الصورة

تعتمد أمل الأسدي في المجموعة على لغة مشبعة بالرموز والاستعارات فالنصوص مليئة بالألوان والطيور والفراشات والمطر والضباب والمرايا والسلالم والأنهار والأشجار، في أحد الأحلام يتحول الموت إلى "ضباب أخضر" يقود الشخصية عبر شارع يجمع بين القديم والجديد، وفي حلم آخر تصبح الوجوه بلا أفواه، أو تتحول الأجساد إلى كائنات هجينة تجمع بين الإنسان والأفعى.

هذه الصور تمثل شفرات نفسية تعبر عن القلق والخوف والرغبات المكبوتة، إنها لغة تقترب أحياناً من السريالية، لكنها تبقى مرتبطة بالحالة الشعورية للشخصيات.

تداخل الشعر والسرد

من الصعب قراءة "أضغاث أنفاس" باعتبارها مجموعة قصصية خالصة بالمعنى التقليدي، فصاحبتها شاعرة أيضاً، وهذا ينعكس بوضوح على أسلوبها السردي،  فنجد كثيرا من النصوص يقوم على الإيقاع الداخلي أكثر من اعتماده على الحدث، وعلى الصورة أكثر من الحوار، وعلى التكثيف أكثر من التفصيل. نقرأ عبارات مثل:

"أكثر من يشاركني لحظاتي هي وسادتي، تشرب آلامي، وتمضغ حسرتي"

مثل هذه الجمل تنتمي إلى الحساسية الشعرية بقدر انتمائها إلى السرد، وقد منح هذا التداخل النصوص طاقة جمالية واضحة، لكنه في الوقت نفسه جعل بعضها أقرب إلى الخاطرة أو المشهد الشعري منه إلى القصة المكتملة الأركان.

الزمن الحلمي

ومن أبرز سمات المجموعة أيضا، قدرتها على تفكيك الزمن الواقعي، فالزمن يتشظى ويتوقف ويتسارع ويتراجع، في بعض النصوص تمتد لحظة قصيرة لتملأ صفحات كاملة، بينما تختصر سنوات طويلة في صورة واحدة أو حلم عابر. وهذا يتناسب مع طبيعة الذاكرة والأحلام التي لا تخضع لقوانين الزمن المنطقي،  فالإنسان في الحلم يستطيع أن يعيش طفولته وشيخوخته وحاضره في لحظة واحدة. وقد نجحت الكاتبة في استثمار هذه الإمكانية لتوليد فضاء سردي مفتوح على الاحتمالات كافة.

الاقتصاد السردي

تعتمد الكاتبة شكلاً قريباً من القصة القصيرة جداً أو المشهد السردي المكثف، فمعظم النصوص قصيرة، وتقوم على فكرة أو لحظة أو مفارقة واحدة، وذلك يمنح النصوص سرعة ومرونة، لكنه يجعل بعضها يعتمد على الإيحاء أكثر من البناء السردي، وفي أحيان معينة يشعر القارئ أن النص يتوقف عند لحظة الكشف أو الدهشة دون أن يتطور إلى حبكة كاملة، فطبيعة المشروع السردي للمجموعة تتجه نحو الإمساك بلحظة نفسية أو حلمية مكثفة. 

بين الواقع والمتخيل

كذلك تتميز المجموعة بتلاشي الحدود بين الحلم والواقع، فالشخصيات تنتقل من الحياة اليومية إلى الرؤيا دون مقدمات، ثم تعود إلى الواقع لتكتشف أن ما عاشته لم يكن سوى حلم، أو ربما كان حقيقة من نوع آخر، وهذا التداخل يمنح النصوص طابعاً تأملياً يجعل القارئ يعيد النظر في مفهوم الحقيقة نفسه.   فالحلم هنا ليس أقل صدقاً من الواقع، بل ربما يكون أكثر قدرة على كشف ما تخفيه النفس.

ملاحظات فنية

وأخيرا ورغم ما تتمتع به المجموعة من خصوصية أسلوبية، يمكن تسجيل بعض الملاحظات، أبرزها أن هيمنة المناخ الحلمي والعاطفي تجعل عدداً من النصوص متقارباً من حيث النبرة والمزاج العام. فثيمات الحب والانتظار والخذلان تتكرر كثيراً، وكذلك بعض الصور المرتبطة بالفراشات والعطر والضباب والمرآة.

كما أن النزعة الشعرية القوية تؤدي أحياناً إلى إضعاف البعد القصصي، فيصبح النص أقرب إلى تأمل وجداني منه إلى قصة قصيرة، لكن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية للمجموعة بقدر ما تكشف طبيعة المشروع الذي اختارته الكاتبة لنفسها.

إنها مجموعة تطرح سؤال الإنسان وهو يواجه هشاشته العاطفية ووحدته الداخلية، وتؤكد أن الأحلام، مهما بدت غامضة أو متكسرة، تظل إحدى أكثر الوسائل قدرة على كشف الحقيقة العميقة للنفس.
--------------------------------
بقلم: أحمد رجب شلتوت